لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

القراءات: 776

د.نور محمد البار                                                                                    

يوم في المستشفى كسائر الأيام.. أذهب لافحص مريضتي لليوم الثامن على التوالي.. فأتعجب.. ما لي أراها اليوم بثوب جديد.. لقد اعتدت ثوبها الأول.. رغم ما كنت أعانيه من رائحته الكريهه.. فما الذي إستجد اليوم؟...

 فأجابت من غير أن أسأل.. اليوم بدلت ثوبي لأغسله ولبست ثوب ابنتي.. لأنه ليس لدي ثوب آخر.. ونظرت لابنتها فإذا بها ترتدي العباءة السوداء ..فقط .. لتستر جسدها.

هل يعقل أنه ليس لدى كل منهما سوى ثوب واحد فقط؟.. رغم أنها لم تشكو لي يوما ضيق الحال.. وكانت دوما تحمد الله على الستر والعافيه ( رغم اصابتها بفشل القلب والكلى والسكر والضغط ) .. ثم حضر طبيبها الاستشاري .. وراح  يحكي لي قصتها في أسى وبدون أن أسأل ..

"أتدرين هذه المرأة لا عائل لها.. تعيش هي وابنتها في رباط.. ابنتهاهذه قد جاوزت الثلاثين.. ولم تتزوج بعد.. وهما لا تجدان ثمن الدواء ولا الغذاء.. أما ابناؤها الثلاثة فلكل منهم زوجة وأطفال .. ولكن لا أحد منهم يعمل!! طردوا جميعا من أعمالهم .. فهم لا يحملون الجنسية!..فهل يحق لمن لا يحمل الجنسية أن يعيش؟!!"

ثم سرنا قليلا متوجهين لمريض اخر.. فصمت الإستشاري طويلا ثم قال .." أتدرين ما أمل هذه المرأة في الحياة.. حلمها الأجمل أن يشتغل أولادها الثلاثة براتب ألف ريال في الشهر !"

وسرنا وخطواتنا تتثاقل ونحن نفكر في قسوة الحياة.. ثم عاد يقول:" للمفارقة .. منذ أيام دعى صديق لي ابني لحفلة ميلاد ابنه.. وقال ببساطة .. كلفتنا الحفلة 20 ألف ريال !! هذه حفلة لطفل عمره عشر سنوات!"..

كم يبدو هذا مؤلما وقاتما!..

واستغرقت في التفكير..

ألهذه الدرجة حبسنا في سجون ذواتنا ونسينا هموم العباد.. ألا يظن هذا الذي صرف في ليلة عشرين ألفا لأجل حفلة .. وألئك الذين ينفقون عشرات الآلاف في الأعراس كل ليلة .. أن هناك ربا .. وضع نصيب الفقراء في المال تحت أيديهم ليبلوهم.. أيردون الحق لأهله .. أم يقولون إنما أوتيناه على علم ؟.. ألم يلحظ هؤلاء التعاسة التي يعيشونها.. ونسب الطلاق التي بلغت أعلى المعدلات.. وحالات الاكتئاب التي لا حصر لها .. والخسائر التي تلحق بهم في الأسهم بالملايين... ألا يدركون أن كل هذا من شؤم الأنانية..

ألا يدركون أنهم لو انفقوا على أولئك الذين ظلمتهم الدنيا فلا في بلادهم يجدون ما يعيشون عليه ولا  هم قادرين على الحصول على وقت يومهم هنا.. ماذا  لو أقيمت مشاريع لتشغيلهم و قدمت القروض لعونهم على بدأ حياة أفضل لفتح الله علينا وعليهم بركات من السماء والأرض.. ولأنزل من السعادة ما يغنيهم عن اللهث بحثا عنها في سلع وحفلات ورحلات كل يوم..  


* معيدة في قسم الطب النفسي بجامعة الملك عبدالعزيز.

انشر هذه الصفحة

Submit ميلاد ثوب..موت ضمير in Delicious Submit ميلاد ثوب..موت ضمير in Digg Submit ميلاد ثوب..موت ضمير in FaceBook Submit ميلاد ثوب..موت ضمير in Google Bookmarks Submit ميلاد ثوب..موت ضمير in Stumbleupon Submit ميلاد ثوب..موت ضمير in Technorati Submit ميلاد ثوب..موت ضمير in Twitter
 

التعليقات  

 
0 # فوزي بن سعود الحادي 2010-03-25 17:57
بارك الله فيك يادكتوره نور تركيزك على الهم الاجتماعي

تشكرين عليه وهي لفتة كريمه لهذه الفئه وشرح بعض مما يعانونه

وللاجابة على تساؤلك المغلف بمرارة الحدث ان الفقر ليس له جنس ولا جنسيه

والفقير يستحق الاهتمام به وعلى المسلمين عامة والجمعيات الخيريه خاصة

مسؤولية كبيره لهؤلاء وغيرهم جزاك الله خيرا وشكرا لك وشكرا عناية
الرد | الرد باقتباس | اقتباس
 
 
0 # لا عنوان للحبر الصادقمريم الكيـــــــومي 2010-03-26 20:43
د. نور .. كم يعجبني قلمك !

حبرك لا يقبل النزول على الورق إلا إذا لبس ثوب الامتياز

نعم قد وُلِد ثوب .. وقد مات ضمير
لكن لننظر إلى نصف الكوب الممتلئ (ربما لنخفف عن أنفسنا المصاب) فنقول أن الأغنياء الذين يتبرعون ويبحثون عن يد محتاجه .. في تزايد ولله كل الحمد




سلمت يمناك
الرد | الرد باقتباس | اقتباس
 
 
0 # غزال الراية 2010-03-26 22:08
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
الرد | الرد باقتباس | اقتباس
 
 
0 # ReplayAisha albar 2010-03-27 03:23
Well done Noor. That's the real life we are living. Who has money will spend it as he like and never thought that one day he might loss it all in all . Or just die and leave all this superfecial life which is going to be aginst him because god will qusition every body.  
الرد | الرد باقتباس | اقتباس
 
 
0 # شكرا للتعليقنور البار 2010-04-01 11:30
شكرا لمن علق فرفع منا الهمة..
الرد | الرد باقتباس | اقتباس
 
 
0 # هبة نصر الله 2010-04-11 16:06
كي لا اكون متشائمة فأهل الخير في بلادنا يتزايدون و لكنني اعيش منذ حوالي 6 اشهر في بلد لا دين له في شمال لسويد و الغريب ان لا فقير هنا, لا تمييز بين عربي و غربي , كثير من المرضى والمعاقين و الفرق ان الدولة قد خصصت مرتب شهري لهؤلاء وليس هذا فحسب بل لكل معاق 3 مساعدين يتناوبون في الحضور إليه وتقديم الخدمات و لكل واحد منهم راتب محدد وان كان هذا المساعد زوج او زوجة!!!
الرد | الرد باقتباس | اقتباس
 

إضافة تعليق

جميع الأراء المطروحة لا تعبر عن وجهة نظر صحيفة عناية الصحية ولا مسؤوليها ويتحمل كل قارئ مسؤولية تعليقه وتبعاته القانونية والأخلاقية

الكود السري
تحديث

المقالات - نبض عناية

أضف هذا المقال الي صفحتك في فيس بوك أو اكتب تعليقك من هنا