لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

القراءات: 862

د.نور محمد البار *

في قسم طب الأطفال.. كانت الغرفة 631 حديث طالبات الطب.. دعتني كل من قابلت للذهاب.. فذهبت.. وكل ما أريد هو أن أطلع على تلك الحالات الأربع التي نزلت الغرفة منذ سنين.. وكم كان المشهد عجيبا..

فعلى السرير الذي واجه الباب مباشرة.. كان يرقد الفتى علي ابن الأحد عشر ربيعا.. التي لم يهنأ بربيع واحد منها.. فهو منذ عرف الدنيا أسير الفراش.. تشده إليه قيود كثيره.. أهمها انبوب التنفس الموصول بقصبته الهائيه مباشرة.. ثم أنبوب الغذاء المتصل بمعدته مباشره..ثم ساقان عجزتا عن حمله ولو لمرة في حياته.. ويدان لم تحسنا عمل شيء قط.. ولسان لم يجرب نطق الكلام.. كانت علامة الحياة الوحيدة لديه هي بريق تلك العينين الجميلتين اللتان تطرفان برقه وتتابعان الذاهب والآتي..

وبجواره كانت ترقد أخته.. ابنة السنوات التسع .. نفس المشهد ونفس الحال.. ثم أخوه الأصغر نفس المشهد ونفس الحال .. والأخ الأخير .. يكرر نفس المأساة..
وبين الأسرّة.. كانت هناك تقف.. كانت هي المعجزة..

استقبلت عيناي المغرورقتان بالدمع بابتسامة ساخرة وابتدرتني بالقول.. : نعم .. أنا أمهم.. ومستعده للإجابة عن اسألتك.. بل من الممكن أن أسمّع لك الأسئلة والإجابات معا.. لو أردت..أنا أجيب نفس الأسئلة منذ سنين..
.. لم أدر بم أجيب.. لم أرد لها أن تشعر بأننا جميعا (كطلاب طب) لا همّ لنا إلا دراسة حالة أبنائها الغريبة .. أردت حقا أن أتعرف عليها.. وأن أعرف كيف استطاعت أن تتحمل هكذا مأساة وهي واقفة مبتسمة..
_ لا لا .. ليس لدي أسئلة إنما أردت أن أطمئن على الأولاد..
الأم : هم كما ترين.. حالهم لم يتغير منذ سنين..
_ وهل لديك أولاد غيرهم؟؟
الأم : لا
_أسأل الله أن يرزقك ذرية تكون لك عوضا وعونا..
الأم :  لا يا عزيزتي لقد أغلقت الباب.. ففي كل مرة كنت أحلم بطفل طبيعي.. وتأتي النتيجة كما ترين.. في كل حمل لي كان أكبر الأطباء يتابعونني.. ويقسمون بأن الجنين سليم تماما.. ثم يأتون إلى الدنيا هكذا!
وفي كل مرة يختلق الأطباء لي سببا.. تعسرت الولاده.. اختنق خلال الولادة.. كان أصغر مما يجب.. كانت أكبر مما يجب.. تعددت الأسباب والموت واحد!!

_ وهل .. يبقون في المستشفى طوال الوقت..
الأم :  نعم.. حاولنا مرة أنا وزوجي أن نمرضهم جميعا في البيت فكانت تجربة مريرة..تخيلي .. انبوب الأكسجين الكبير هذا.. ينتهي في أقل من نصف يوم.. ويجب أن يبقى الأربعة متصلين على الدوام بأربعة أنابيب للتنفس.. صار زوجي لا هم له غير الركض بأنابيب الأكسجين لملئها كل يوم..

ولكن ذلك لم يثنينا عن عزمنا على ترك المسشفى .. فالحياة هكذا صعبة جدا.. فأنا أتناوب مع الخادمة على الأولاد هنا.. فالممرضات بالمستشفى سئمن من العناية بهم..
وهكذا لم أعد أقابل زوجي إلا أوقات الزيارة.. هنا في المستشفى..

لكن حادثا حدث لابنتي أثناء مقامهم في البيت جعلني أقرر العودة بهم للمستشفى مهما كان الأمر شاقا.. لقد كادت تموت بين يدي.. تغير لون وجهها فجأة وبدت مختنقه.. لم تكن فتحة التنفس (الموصله بالقصبة الهوائيه ) مسدودة.. فقد اعتدت على تنظيفها لهم كل بضعة ساعات لسحب الافرازات..

لكن في تلك المرة أصيبت باختناق بغير أن أعرف السبب وصار صدرها يصدر أصواتا عاليه .. فظننت أنها تنازع وروحها تخرج.. فطرت بها إلى المستشفى.. ومكثت في العناية المركزةأسابيع حتى استقرت حالتها ثانية.. من يومها.. قررت أن لا أتحمل مسؤوليتهم في المنزل وحدي مهما يكن.. فلن أتحمل أن يموت أحدهم بين يدي بغير أن أقدر على عمل شيء له ..
تمتمت بصوت منخفض.. انت.. حريصة على حياتهم!!

الأم :  ماذا أفعل رغم كل شيء هم ابنائي؟؟

في ثوان كانت عيناي تمتلئان دمعا.. لو كنت مكانها.. لدعوت الله كل يوم أن يريحني من هذا العبئ.. عبئ أربعة من المعوقين لا يقدرون على إتمام أبسط مهام الحياة.. ولا أمل لهم في الشفاء..
تخيلت مشهدها وهي تنظف وتغذي تدلك وتمرض أربعة من الأجساد التي لا حراك لها.. أجساد تكبر في حجمها كل يوم ليزداد الحمل ثقلا..دون أن يكبر الأمل بشفائهم ولو قليلا.. ورغم ادراكها التام بأنهم سيبقون ماعاشوا هكذا عبئا عليها..فهي تفزع من فكرة موت أحدهم.. وتركض للمستشفى.. رجاء يوم آخر يحياه..
وسرحت بفكري قليلا.. يالله .. ان كانت هذه رحمة الأم بولدها فكيف رحمة الله بنا؟..
أجل .. نحن سيئون.. تافهون.. مذنبون.. قلوبنا المريضة امتلأت قيحا وصديدا..وتماما كما هو حال هؤلاء الأطفال.. لا نصلح لشيء.. بل إننا عبئ على الأرض.. بالفساد الذي ننشره حيثما حللنا..
ولكن هل يتركنا الرب الرحيم؟؟ ألسنا صنعة يده.. نعم.. نحن نحن مرضى ومذنبون.. ولكن ألسنا خلقه؟؟
وهو يعلم أنه ليس لنا سواه.. وأنه إن تركنا فلن يشفينا سواه.. ولن يعبأ بنا سواه..
أفتراه يتركنا.. وهو الذي قسم الرحمة مائة جزء فأنزل منها جزءا للأرض ليتراحم به العباد فما حنان هذه الأم بأولادها إلا من هذا الجزء من رحمة المولى الذي ترك لنفسه التسعة والتسعين جزءا ليرحم بها عباده!!
ألا يزال هناك من يظن أنه أسوء من أن يعود إلى ربه.. أن الله لا يريده وأنه سيغلق بابه في وجهه.
حاشاه.. أن يترك صنعة يده.. حاشاه أن يدع مساكين مثلنا أعمتهم الدنيا وأصمّتهم ليلاقوا سوء المصير.


* معيدة في قسم الطب النفسي بجامعة الملك عبدالعزيز.

انشر هذه الصفحة

Submit أم وأربعة معاقين in Delicious Submit أم وأربعة معاقين in Digg Submit أم وأربعة معاقين in FaceBook Submit أم وأربعة معاقين in Google Bookmarks Submit أم وأربعة معاقين in Stumbleupon Submit أم وأربعة معاقين in Technorati Submit أم وأربعة معاقين in Twitter
 

التعليقات  

 
0 # د.حاتم برك 2010-03-06 12:19
الحمد لله الذي لايحمد على مكروه سواه
الرد | الرد باقتباس | اقتباس
 
 
0 # Guest 2010-03-06 17:52
أشكرك د.نور على القصة المعبرة ..الحمد لله الذي عافانا و الله يشفيهم و يعافيهم و يجزي هذه الأم الجنة ..و صحيح أنو الجنة تحت أقدام الأمهات ....
الرد | الرد باقتباس | اقتباس
 
 
0 # فوزي بن سعود الحادي 2010-03-06 22:58
اهلا وسهلا بك يادكتوره نور بارك الله فيك على هذه اللفته الانسانيه لحالة هذة الاسره

واسال الله ان تكون هذه المقاله سببا بعد الله للاهتمام بهذه الفئه من اهل المسؤولية

واهل المهام الانسانية وياليتك ذكرت شئ عن اسباب تكرار الحاله مع الام وزوجها

كان الله في عونهم وعوضهم خير الاجر والثواب

ولعل السبب يكون عبره للمقدمين على الزواج اذا كانوا اقارب اوحالتهم وراثيه

لتعم الفائدة للجميع شكرا لك وشكرا عناية
الرد | الرد باقتباس | اقتباس
 
 
0 # Guest 2010-03-07 00:38
اتوقع انك ماجربتي الأمومة لسه
الأم مهما تعبت و شقيت في مرض عيالها ماتتمنى موتهم
إلا إذا كان في راحة لهم من عذاااب فضيع
الحمد لله الذي عافانالاو ربي يشفي عيالها يااارب
الرد | الرد باقتباس | اقتباس
 
 
0 # ندو 2010-03-07 09:46
كم هي رحمة الله واسعة
اللهم ارحمنا وارحم ضعفنا وحاجتنا اليك يا ارحم الراحمين
الرد | الرد باقتباس | اقتباس
 
 
0 # Guest 2010-03-08 00:36
عزيزتي د نور مررت بموقف مشابة وانا طالبة بالسنة السادسة طلبت الاستشارية تحضير حالات منها مريضة فشل كلووي مزمنة في مراحل متقدمة DNR وكانت متسخة وغير نظيفة امها لاتعرف العربية ولاتفقهة اسالتي ولاني الاشطر في مجموعتي كان همي تجميع المعلومات وفحصها بسرعة والوصول للتشخيص باسرع وقت فكنت اتعامل كاالالة بل اسواء مع التأفف والقرف لم اكن اعي ما افعل حضرت الاستشارية عرضت الحالة بالتفصيل وكانت الاستشارية تثني علي امام البنات فاانا الافضل في المجموعة مضى وقت السشن سريعا ولكن احدى البنات عادت الى الحالة وشاء اللة ان رايت طريقة تعاملها بمنتهى اللطف خجلت من نفسي وغادرت المستشفى ولكن الساعة الثامنة مساء بدللك اليوم لم احتمل قررت العودة للمستشفى والاعتزار لهم عن طريقة تعاملي ويشاءاللة انة تم اخراجها في نفس اليوم نعم قررت في دلك اليوم ان اكمل التخصص في طب الاطفال وعاهدت نفسي ان احسن معاملة المرضى نعم لقد غيرت حياتي تلك الحادثة والان جميعهم رهف بعيني لن انساها ماحييت
الرد | الرد باقتباس | اقتباس
 
 
0 # نور البار 2010-03-08 08:11
شكرا لكل من علق..
نعم حين كتبت هذه الأسطر لم أكن جربت الأمومة.. أما الآن بعد أن رزقت طفلا.. صرت أشعر تماماباحساس هذه الأم..
شكرا د. فوزي على التعليق..نعم لا شك أن للوراثة دورافي هكذا أمراض( لذا كان الافضل تجب زواج الأقارب).. الغريب في هذه الحالة أن الزوجين لم تكن تربطهما قرابة أبدا..
الرد | الرد باقتباس | اقتباس
 
 
0 # نور البار 2010-03-08 08:15
الاخت الغالية..
أفهمك تماما.. وليس هذا خطأك وحدك.. بل هكذا تجعلنا حياة الكلية... ننسى من نحن.. ولماذا أردنا في الأساس أن نكون أطباء.. ونصبح في تعاملنا مع المرضى كم يتعامل مع وسائل تعليمية في المعمل..هنيئا لك القلب الحي الذي أفاق مما لم يفق مه كثيرون..
الرد | الرد باقتباس | اقتباس
 

إضافة تعليق

جميع الأراء المطروحة لا تعبر عن وجهة نظر صحيفة عناية الصحية ولا مسؤوليها ويتحمل كل قارئ مسؤولية تعليقه وتبعاته القانونية والأخلاقية

الكود السري
تحديث

المقالات - نبض عناية

أضف هذا المقال الي صفحتك في فيس بوك أو اكتب تعليقك من هنا